الشيخ المحمودي
35
نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة
وينبغي التنبيه على أمور الأمر الأوّل : بيّن عليه السّلام بقوله : « وما طلّابك بقوم ان كنت عالما عابوك » أن السّلامة من ألسن الناس من المعجز الّذي لا يدرك ، والممتنع الّذي لا يملك ، وهذا مما أطبقت عليه التجارب ، وتواترت فيه الآثار والروايات ، فعلى العاقل أن يمشي على طبق المصالح ، ويأتي بما ينفعه دنيويّا كان أو دينيّا ، ولا يتعب نفسه في تحصيل المحال ، وإرضاء قلوب الرجال ، من أهل الدّنيا وأرباب الضّلال ، أو القاصرين والجهال ، فان السّاعي في ذلك لا حظّ له إلّا الكلال والوبال ، فإنّ كنت في شكّ من ذلك فعليك بالتجربة والاستماع لمّا يتلى عليك من الآثار الواردة عن المعصومين والصلحاء عليهم السّلام . فعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رضا الناس غاية لا تدرك » « 1 » . وعن السيّد ابن طاووس رحمه اللّه قال : « روي أنّ موسى عليه السّلام قال : يا ربّ احبس عنّي ألسنة بني آدم ، فإنّهم يذموني وقد أوذي كما أخبر اللّه جلاله بذلك فقال : لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا قيل : فأوحى اللّه جلّ جلاله إليه : يا موسى هذا شيء ما فعلته مع نفسي ، أفتريد أن أعمله معك ؟ فقال موسى : قد رضيت أن تكون لي أسوة بك » . وروي انّ لقمان الحكيم قال لولده في وصيته : « لا تعلق قلبك برضى الناس ومدحهم وذمّهم ، فإنّ ذلك لا يحصل ولو بالغ الإنسان في تحصيله بغاية قدرته ، فقال ولده : يا أبة ! أحب أن أرى لذلك مثالا أو فعالا ، أو مقالا ، فقال له : اخرج معي فخرجا وكان معهما بهيم ، فركبه لقمان وترك ولده يمشي وراءه ، فاجتازا على
--> ( 1 ) رواه ابن مسكويه رحمه اللّه في الحكمة الخالدة : ص 108 .